الشوكاني
336
فتح القدير
الإنسان أن لن نجمع عظامه ) المراد بالإنسان الجنس ، وقيل الإنسان الكافر ، والهمزة للإنكار ، وأن هي المخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير شأن محذوف ، والمعنى : أيحسب الإنسان أن الشأن أن لن نجمع عظامه بعد أن صارت رفاتا ، فنعيدها خلقا جديدا ، وذلك حسبان باطل ، فإنا نجمعها ، وما يدل عليه هذا الكلام هو جواب القسم . قال الزجاج : أقسم بيوم القيامة وبالنفس اللوامة ليجمعن العظام للبعث ، فهذا جواب القسم . وقال النحاس : جواب القسم محذوف : أي ليبعثن ، والمعنى : أن الله سبحانه يبعث جميع أجزاء الإنسان ، وإنما خص العظام لأنها قالب الخلق ( بلى قادرين على أن نسوي بنانه ) بل إيجاب لما بعد النفي المنسحب إليه الاستفهام ، والوقف على هذا اللفظ وقف حسن ، ثم يبتدئ الكلام بقوله " قادرين " وانتصاب قادرين على الحال : أي بلى نجمعها قادرين ، فالحال من ضمير الفعل المقدر ، وقيل المعنى : بل نجمعها نقدر قادرين . قال الفراء : أي نقدر ، ونقوي قادرين على أكثر من ذلك . وقال أيضا : إنه يصلح نصبه على التكرير : أي بلى فليحسبنا قادرين ، وقيل التقدير : بل كنا قادرين ، وقرأ ابن أبي عبلة وابن السميفع ( بلى قادرون ) على تقدير مبتدأ : أي بلى نحن قادرون ، ومعنى ( على أن نسوي بنانه ) على أن نجمع بعضها إلى بعض ، فنردها كما كانت مع لطافتها وصغرها ، فكيف بكبار الأعضاء ، فنبه سبحانه بالبيان ، وهي الأصابع على بقية الأعضاء ، وأن الاقتدار على بعثها وإرجاعها كما كانت أولى في القدرة من إرجاع الأصابع الصغيرة اللطيفة المشتملة على المفاصل والأظافر والعروق اللطاف والعظام الدقاق ، فهذا وجه تخصيصها بالذكر ، وبهذا قال الزجاج وابن قتيبة . وقال جمهور المفسرين : إن معنى الآية أن نجعل أصابع يديه ورجليه شيئا واحدا ، كخف البعير وحافر الحمار صفيحة واحدة لا شقوق فيها ، فلا يقدر على أن ينتفع بها في الأعمال اللطيفة كالكتابة والخياطة ونحوهما ، ولكنا فرقنا أصابعه لينتفع بها . وقيل المعنى : بل نقدر على أن نعيد الإنسان في هيئة البهائم ، فكيف في صورته التي كان عليها ، والأول أولى ، ومنه قول عنترة : وإن الموت طوع يدي إذا ما * وصلت بنانها بالهندوان فنبه بالبنان على بقية الأعضاء ( بل يريد الإنسان ليفجر أمامه ) هو عطف على أيحسب ، إما على أنه استفهام مثله وأضرب عن التوبيخ بذلك إلى التوبيخ بهذا ، أو على أنه إيجاب انتقل إليه من الاستفهام . والمعنى : بل يريد الإنسان أن يقدم فجوره فيما بين يديه من الأوقات ، وما يستقبله من الزمان ، فيقدم الذنب ويؤخر التوبة . قال ابن الأنباري : يريد أن يفجر ما امتد عمره ، وليس في نيته أن يرجع عن ذنب يرتكبه . قال مجاهد والحسن وعكرمة والسدي وسعيد بن جبير : يقول سوف أتوب ولا يتوب حتى يأتيه الموت . وهو على أشر أحواله . قال الضحاك : هو الأمل ، يقول سوف أعيش وأصيب من الدنيا ، ولا يذكر الموت ، والفجور أصله الميل عن الحق ، فيصدق على كل من مال عن الحق بقول أو فعل ، ومنه قول الشاعر : أقسم بالله أبو حفص عمر * ما مسها من نقب ولا دبر * اغفر له اللهم إن كان فجر وجملة ( يسأل أيان يوم القيامة ) مستأنفة لبيان معنى يفجر ، والمعنى : يسأل متى يوم القيامة سؤال استبعاد واستهزاء ( فإذا برق البصر ) أي فزع وتحير من برق الرجل : إذا نظر إلى البرق فدهش بصره . قرأ الجمهور " برق " بكسر الراء . قال أبو عمرو بن العلاء والزجاج وغيرهما : المعنى تحير فلم يطرف ، ومنه قول ذي الرمة : ولو أن لقمان الحكيم تعرضت * لعينيه مي بسافرا كاد يبرق * وقال الخليل والفراء : برق بالكسر : فزع وبهت وتحير ، والعرب تقول للإنسان المبهوت : قد برق فهو برق ، وأنشد الفراء :